البيان الشيوعي

كتبها فادي زيدان ، في 11 شباط 2008 الساعة: 11:55 ص

 

البيان الشيوعي


كارل ماركس و فريدريك انجلس
 


شبحٌ ينتاب أوروبا : شبح الشيوعية. ضد هذا الشبح اتحدت في حلف مقدس قوى أوروبا القديمة كلها : البابا و القيصر، مترنيخ و غيزو، الراديكاليون الفرنسيون و البوليس الألماني.

فأي حزب معارض لم يتهمه خصومه في السلطة بالشيوعية؟ و أي حزب معارض لم يرد، بدوره، تهمة الشيوعية الشائنة، إلى أقسام المعارضة الأكثر تقدمية، و إلى خصومه الرجعيين؟

من هذا الواقع يُستنتج أمران :

إن قوى أوروبا كلها أصبحت تعترف بالشيوعية كـقوة.

إن الشيوعيين قد آن لهم أن يعرضوا، أمام العالم كله، طرق تفكيرهم، و أهدافهم، و اتجاهاتهم، و أن يواجهوا خرافة شبح الشيوعية ببيان من الحزب نفسه.

و لهذه الغاية، إجتمع في لندن شيوعيون من مختلف القوميات، و وضعوا البيان الآتي، الذي سيصدر باللغات: الإنكليزية، و الفرنسية، و الألمانية، و الإيطالية، و الفلمنكية، و الدانمركية.

 

I
البرجوازيون والبروليتاريون1

إن تاريخ أي مجتمع2 حتى الآن، ليس سوى تاريخ صراعات طبقية.
حر و عبد، نبيل و عامي، بارون و قن، معلم و صانع3، و بكلمة ظالمون و مظلومون، في تعارض دائم، خاضوا حربا متواصلة، تارة معلنة و طورا مستترة، حربا كانت تنتهي في كل مرة إما بتحول ثوري للمجتمع كله، إما بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين .

و في العهود التاريخية الأولى نجد، في كل مكان تقريبا، تقسيما كاملا للمجتمع إلى مراتب متمايزة، (نلقى) تدرجا متفاوتا للمنزلة المجتمعية. ففي روما القديمة، كان ثمة نبلاء، و فرسان، و عامة، و عبيد، و في القرون الوسطى، أسياد و إقطاعيون، و مقطعون، و معلمون و صناع، و أقنان. و إضافة إلى ذلك نجد، في كل طبقة من هذه الطبقات، تراتبية فارقة .

و المجتمع البرجوازي العصري، الذي قام على أنقاض المجتمع الإقطاعي، لم يلغ التناحرات الطبقية، بل أحل فقط محل الطبقات القديمة طبقات جديدة، و حالات اضطهاد جديدة، و أشكالا جديدة للنضال .

غير أن عصرنا، عصر البرجوازية، يتميز بتبسيطه التناحرات الطبقية. فالمجتمع كله ينقسم أكثر فأكثر إلى معسكرين كبيرين متعاديين، إلى طبقتين كبيرتين متجابهتين مباشرة: البرجوازية و البروليتاريا.

فمن أقنان القرون الوسطى ينحدر سكان أولى البلدات. و من هؤلاء السكان تكونت الأصول الأولى للبرجوازية .

فاكتشاف أمريكا و الطواف البحري حول إفريقيا أوجد للبرجوازية الناشئة مرتعا جديدا. إن سوق الهند الشرقية و الصين، و استعمار أمريكا، و التبادل مع المستعمرات، و ازدياد وسائل التبادل، و السِّلع عموما، وفرت للتجارة و الملاحة و الصناعة دفعا لم يسبق له مثيل، و بالتالي وفرت نموا سريعا للعنصر الثوري في المجتمع الإقطاعي المتداعي .

و مع الأسواق الجديدة لم يعد نمط الإنتاج الإقطاعي، أو المشغل الحرفي في الصناعة، يسدُّ الحاجة المتنامية، فحلّت المانيفاتورة محل هذا النمط، و أزاح الصناعيون المتوسطون أصحاب المشاغل الحرفية، و زال تقسيم العمل بين الجمعيات الحرفية المختلفة أمام تقسيم العمل في الورشة الواحدة.

بيد أن الأسواق كانت تـتسع و الطلب كان يزداد باستمرار فأمست المانيفاتورة عاجزة بدورها؛ و عندئذٍ، ثوَّر البخار و الآلة الإنتاج الصناعي، و حلت الصناعة الكبيرة الحديثة محل المانيفاتورة، و حل الصناعيون أصحاب الملايين، أساطين جيوش صناعة بأكملها، أي البرجوازيون العصريون، محل الصناعيين المتوسطين .

و الصناعة الكبيرة أوجدت السوق العالمية التي مهد لها اكتشاف أمريكا. و السوق العالمية أنمت، بما لا يُـقاس، التجارة و الملاحة و المواصلات البرية. و هذا النمو أثّر بدوره في توسيع الصناعة، فبقدر ما كانت الصناعة و التجارة و الملاحة و السكك الحديدية تتوسع، كانت البرجوازية تتطور، و تُـنمّي رساميلها، و تدفع إلى المؤخرة بكل الطبقات الموروثة عن القرون الوسطى.

و هكذا نرى كيف أن البرجوازية العصرية نفسها، هي نتاج مسار تطور طويل، و سلسلة تحولات في نمط الإنتاج و المواصلات.

فكل مرحلة، من مراحل تطور البرجوازية تلك، كانت مشفوعة بتقدم سياسي متطابق. فالبرجوازية: فئة مقهورة تحت سيطرة الإقطاعيين، و عُصبة مسلحة تسوس نفسها بنفسها في الكمونة4 جمهورية مدينية مستقلة هنا، و طبقة عوامٍ مُـلزمة بدفع الضرائب للنظام الملكي هناك و قوة موازنة للنبالة زمن المانيفاتورة في النظام الملكي المقيَّد أو المطلَق، و حجر الزاوية للأنظمة الملكية الكبيرة بوجه عام، (هذه البرجوازية) انتَزعت أخيرا، بقيام الصناعة الكبيرة و السوق العالمية، السلطة السياسية كاملة في الدولة التمثيلية العصرية. و سلطة الدولة الحديثة ليست سوى هيئة تدير المصالح المشتركة للطبقة البرجوازية بأسرها .

فالبرجوازية لعبت، في التاريخ، دورا ثوريا بارزا كل البروز .

و البرجوازية حيث ظفرت بالسلطة دمرت كل العلاقات الإقطاعية من كل لون، التي كانت تربط الإنسان بسادته الطبيعيين، و لم تُـبق على أية رابطة بين الإنسان و الإنسان سوى رابطة المصلحة البحتة، و الإلزام القاسي بـ "الدفع نقدا". و أغرقت الرعشة القدسية للورع الديني، و الحماسة الفروسية، و عاطفة البرجوازية الصغيرة، في أغراضها الأنانية المجرَّدة من العاطفة، و حولت الكرامة الشخصية إلى قيمة تبادلية، و أحلّت حرية التجارة الغاشمة وحدها، محل الحريات المُـثـبَتة و المكتسبَة التي لا تحصى. و بكلمة أحلّت استغلالا مباحا وقحا مباشرا و شرسا، محل الاستغلال المُغلَّف بأوهام دينية .

فالبرجوازية جرّدت كل الفعاليات، التي كان يُنظر إليها حتى ذلك الحين بمنظار الهيبة و الخشوع، من هالتها. فحوّلت الطبيب و رجل القانون و الكاهن و الشاعر و العالم، إلى أجراء في خدمتها .

و البرجوازية نزعت حجاب العاطفية عن العلاقات العائلية و قَصَرتها (العلاقات) على علاقات مالية بحتة .

و البرجوازية كشفت كيف أنّ عرض القوة الشرسة، الذي كانت الرجعية تُعجَب به في القرون الوسطى، قد وجد تتـمّـته المؤاتية في التكاسل إلى أبعد حدود الكسل. فهي الأولى، التي بيَّـنت ما يستطيع النشاط الإنساني إتيانه. فأتت بعجائب تختلف كليا عن أهرامات مصر، و الأقنية الرومانية، و الكاتدرائيات القوطية، و قامت بحملات تختلف كليا عن الإجتياحات و الحملات الصليبية.

و البرجوازية لا تستطيع البقاء بدون أن تُـثـوِّر باستمرار أدوات الإنتاج، و بالتالي علاقات الإنتاج المجتمعية. بخلاف ذلك، كان الحفاظ على نمط الإنتاج القديم، بدون تبديل، الشرط الأول لبقاء كل الطبقات الصناعية السالفة. و هذا الانقلاب المتواصل في الإنتاج، و هذا التزعزع الدائم في كل الأوضاع المجتمعية، و القلق و التحرك الدائمان، هذا كله يميّز عصر البرجوازية عمّا سبقه من عصور. فالعلاقات الجامدة الصَّدئة مع ما يستتبعها من تصوُّرات و أفكار قديمة موقّرة، تتفكك كلها، و كل جديد ينشأ يهرم قبل أن يصلُب عوده، و التقسيم الفئوي القائم يتبدد هباء، و كل ما هو مقدّس يدنّس، و الناس يُجبرون في النهاية على التفرّس في وضعهم المعيشي، و في علاقاتهم المتبادلة بأعين بصيرة .

و حاجة البرجوازية إلى تصريف دائم لمنتجاتها، متسع باستمرار، تسوقها إلى كل أرجاء الكرة الأرضية. فلا بد لها من أن تعشش في كل مكان، و من أن تنغرز في كل مكان، و من أن تقيم علاقات في كل مكان.

و البرجوازية، باستثمارها السوق العالمية، طبَّعت الإنتاج و الإستهلاك، في جميع البلدان، بطابع كوسموبوليتي، و انتزعت من تحت أقدام الصناعة أرضيتها القومية وسط غم الرجعيين الشديد. فالصناعات القومية الهرمة دُمّرت و تدمَّـر يوميا لتحل محلها صناعات جديدة، أصبح اعتمادها مسألة حيوية بالنسبة إلى جميع الأمم المتحضرة، صناعات لم تعد تستعمل المواد الأولية المحلية، بل المواد الأولية من أقصى المناطق، صناعات لا تُستهلك منتجاتها في البلد نفسه فحسب، بل أيضا في جميع أنحاء العالم. فمكان الحاجات القديمة، التي كانت المنتجات المحلية تسدُّها، تحُل حاجات جديدة تتطلب لإشباعها منتَجات أقصى البلدان و الأقاليم. و محل الإكتفاء الذاتي الإقليمي و القومي و الإنعزال القديم، تقوم علاقات شاملة في كل النواحي، و تقوم تبعية متبادلة شاملة بين الأمم. و ما ينطبق على الإنتاج المادي ينطبق أيضا على النتاج الفكري. فالنتاجات الفكرية لكل أمة على حدة تصبح ملكا مشتركا. و التعصب و التقوقع القوميّان يُصبحان مستحيلين أكثر فأكثر. و من الآداب القومية و الإقليمية ينشأ أدب عالميّ .

و البرجوازية، بالتحسين السريع لكل أدوات الإنتاج، و بالتسهيل اللامتناهي لوسائل المواصلات، تـشدّ الكل حتى الأمم الأكثر تخلفا إلى الحضارة. و الأسعار الرخيصة لسلعها هي المدفعية الثـقيلة التي تـدك بها الأسوار الصينية كلها، و تـُرغم البرابرة الأكثر حقدا و تعنتا تجاه الأجانب على الإستسلام، و تجبر كل الأمم، إذا شاءت إنقاذ نفسها من الهلاك، على تـبنّي نمط الإنتاج البرجوازي، و ترغمها على تقـبّـل الحضارة المزعومة، أي على أن تصبح برجوازية. و بكلمة هي تخلق عالما على صورتها .

و البرجوازية أخضعت الريف لسيطرة المدينة. و أنشأت مدنا ضخمة، و زادت بدرجة هائلة عدد سكان المدن إزاء سكان الريف، منتزعة بذلك قسما كبيرا من السكان من سذاجة الحياة الريفية، و مثلما أخضعت الريف للمدينة، و البلدان الهمجية و شبه الهمجية للبلدان المتحضرة، أخضعت الشعوب الفلاحية للشعوب البرجوازية، و الشرق للغرب .

و البرجوازية تقضي، أكثر فأكثر، على تشتت وسائل الإنتاج و الملكية و السكان. و قد حشرت السكان، و مركزت وسائل الإنتاج، و ركزت الملكية في أيد قليلة. فكانت المركزية السياسية، النتيجة الحتمية لذلك. فإنّ مقاطعات مستقلة، تكاد تكون متّحدة لها مصالح و قوانين و حكومات و جمارك مختلفة، حشرت في أُمة واحدة، ذات حكومة واحدة، و قانون واحد، و مصلحة قومية طبقية واحدة، و سياسة جمركية واحدة .

فالبرجوازية، في غضون سيطرتها الطبقية التي لم يَكد يمضي عليها قرن من الزمن، خَلقت قوى منتجة تفوق بعددها وضخامتها ما أوجدته الأجيال السابقة كلّها مجتمعة. فالآلة، و إخضاع قوى الطبيعة، و استخدام الكيمياء في الصناعة و الزراعة، و الملاحة البخارية، و سكك الحديد، و التلغراف الكهربائي، و استصلاح أراضي قارّات بأكملها، و تسوية مجاري الأنهار لجعلها صالحة للملاحة، و بروز عوامر كاملة من الأرض - أيّ عصر سالف كان يتصوّر أنّ مثل هذه القوى المنتجة كانت تهجع في صميم العمل المجتمعيّ؟

إذن لقد رأينا: أنّ وسائل الإنتاج و التبادل، التي انبنت البرجوازية على أساسها قد اسـتُحدثت في المجتمع الإقطاعي. و عند درجة معينة من تقدّم وسائل الإنتاج و التبادل، لم تعد الشروط التي كان المجتمع الإقاطاعي ينتج فيها و يبادل، لم يعد التنظيم الإقطاعي للزراعة و المانيفاتورة، بكلمة لم تعد علاقات الملكية الإقطاعية تتلاءم مع القوى المنتجة في تمام نموّها. فكانت تُعيق الإنتاج بدلا من دفعه نحو التقدّم، و لذا تحولت غلى قيود كان لا بُدّ من تحطيمها و قد حُطّمت .

و محلها حلت المزاحمة الحرة، مع هيكلية مجتمعية و سياسية ملائمة، مع السيطرة الإقتصادية و السياسية لطبقة البرجوازيين.

و اليوم نشهد حركة مماثلة. فإنّ علاقات الإنتاج و التبادل البرجوازية، و علاقات الملكية البرجوازية - إن هذا المجتمع البرجوازي الحديث الذي أبدع كما في السِّحر وسائل الإنتاج و التبادل الضخمة، يُشبه المشعوذ الذي فقد سيطرته على التحكُّم بالقوى الجهنمية التي استحضرها - فمنذ عشرات السنين، ليس تاريخ الصناعة و التجارة سوى تاريخ تمرُّد القوى المنتجة الحديثة على علاقات الإنتاج الحديثة، على علاقات الملكية، قوام حياة البرجوازية و سيطرتها. و يكفي ذكر الأزمات التجارية الدورية، التي تهدد أكثر فأكثر وجود المجتمع البرجوازي بأسره. ففي الأزمات التجارية، لا يُـتـلَف بانتظام جزء كبير من المنتجات فحسب، بل يـُتـلَف أيضا قسم من القوى المنتجة القائمة. و في الأزمات يتـفـشّى وباء مجتمعيّ ما كان ليبدو، في كل العصور السالفة، إلاّ مستحيلا، و هو وباء فائض الإنتاج. فإن المجتمع يجد نفسه فجأة و قد رُدَّ إلى وضع من الهمجية المؤقتة، حتى ليُخيَّل أنّ مجاعة و حرب إبادة شاملة قد قطعتاه عن وسائل العيش؛ فتبدو الصناعة و التجارة و كأنهما أثر بعد عين، و لماذا؟ لأن المجتمع يملك المزيد من الحضارة، و المزيد من وسائل لعيش، و المزيد من الصناعة، و المزيد من التجارة. و لم تعد القوى المنتجة، الموجودة تحت تصرّف المجتمع، تدفع ينمو علاقات الملكية البرجوازية قُدُما، بل بخلاف ذلك، أصبحت أقوى جدا من هذه العلاقات التي باتت تعيقها؛ و كلما تغلبت على هذا العائق جرّت المجتمع البرجوازي بأسره إلى الفوضى، و هددت وجود الملكية البرجوازية. فالعلاقات البرجوازية غدت أضيق من أن تستوعب الثروة، التي تُحدثها. فكيف تتغلب البرجوازية على هذه الأزمات؟ من جهة بتدمير كتلة من القوى المنتجة بالعنف، و من جهة أخرى بغزو أسواق جديدة، و باستثمار الأسواق القديمة كليّا. و ما هي عاقبة هذا الأمر؟ الإعداد لأزمات أشمل و أشدّ و التقليل من وسائل تدارُكها.

فالأسلحة، التي صَرَعت بها البرجوازية الإقطاع، ترتد الآن على البرجوازية نفسها .

بَيْد أنّ البرجوازية لم تصنع، فحسب، الأسلحة التي تؤدي بحياتها، بل أنجبت أيضا الرجال الذين سيستعملون هذه الأسلحة: العمال العصريين أو البروليتاريين .

و بقدر ما تنمو البرجوازية أي رأس المال، تنمو أيضا البروليتاريا، أي طبقة العمال العصريين، الذين لا يعيشون إلا إذا وجدوا عملا. و لا يجدون عملا إلا إذا كان عملهم ينمي رأس المال. و هؤلاء العمال المُكرهون على بيع أنفسهم قطعة قطعة هم سلعة كأي صنف تجاري آخر، و لذا هم معرَّصون لكل صروف المزاحمة، و لكل تقلبات السوق .

و من جراء توسع استعمال الآلة، و تقسيم العمل، فـقـد عمل البروليتاريين كليا طابع استقلاله الذاتي، و بالتالي فـقـد كل جاذبية بالنسبة إلى العمال. فالعامل أصبح مجرّد مُلحق بالآلة، لا يُطلب منه سوى الحركة اليدوية الأكثر بساطة و رتابة و سهولة و امتهان. و من ثم، فإن ما يُكلفه العامل يكاد يقتصر على كلفة ما يلزمه للعيش، و لمواصلة نسله. و بالتالي فإنّ ثمن العمل5 شأن ثمن كل سلعة يُساوي كلفة إنتاجه. إذن، كلما أصبح العمل منفرا، تدنى الأجر. و فضلا عن ذلك، بقدر ما يتسع استعمال الآلة و تقسيم العمل، تشتد أيضا وطأة العمل، سواء من جرّاء زيادة ساعات العمل، أو مُضاعفة العمل المطلوب إنجازه في وقت معيّن أو تسريع حركة الآلة، الخ ..

و الصناعة الحديثة حوّلت المشغل الصغير للمعلّم الحرفي البطريكي إلى فبركة كبيرة للرأسمالي الصناعي. و جموع العمال المحشورة في الفبركة تنظَّم تنظيما عسكريا. فالعمّال، جنود الصناعة البسطاء، يُوضعون تحت رقابة تراتبية كاملة، من ضبّاط و صفّ ضبّاط. و هم ليسو عبيد طبقة البرجوازيين و دولة البرجوازيين فحسب، بل هم أيضا، في كل يوم و كل ساعة، عبيد للآلة، و لمراقب العمل، و خصوصا للبرجوازي صاحب الفبركة نفسه، و هذا الإستبداد، كلما أعلن بمزيد من الصراحة أنّ الكسب هو هدفه، إزداد دناءة و بشاعة و قسوة.

و العمل اليدوي كلما تطـلب قدرا أقل من المهارة و القسوة، أي كلما تقدمت الصناعة الحديثة، ازداد إحلال عمل النساء محلّ عمل الرجال. فالفروق في الجنس و السن لم يعد لها شأن مجتمعيّ بالنسبة إلى الطبقة العاملة، لم يعد هناك سوى أدوات عمل تختلف كلفتها باختلاف السن و الجنس .

و العامل، ما أن يستغلّه صاحب العمل، و ما أن يدفع له أجره، حتى تنقضّ عليه القطاعات الأخرى من البرجوازية: مالك البيت و البـقّـال و المرتهن إلخ ..

و المراتب الدنيا للطبقات الوسطى، التي كانت قائمة حتى الآن - صغار الصناعيين و التجار و أصحاب الرّيع و الحرفيون و الفلاحون - تصبّ في البروليتاري لأن رأسمالها الصغير لا يكفي لتشغيل الصناعة الكبيرة، فتهلك في مزاحمة كبار الرأسماليين، من جهة، و من جهة أخرى، لأن الطرائق الجديدة للإنتاج تحطّ من قيمة مهارتها، و هكذا تتكون البروليتاريا من جميع طبقات السكان.

و البروليتاريا تمرّ بدرجات تطور مختلفة. و نضالها ضد البرجوازية يبدأ مع وجودها نفسه .

ففي البدء يناضل العمال فُرادى، ثم يناضل عمال فبركة واحدة، ثم عمال فرع صناعي في منطقة واحدة، ضد البرجوازي الفرد الذي يستغلهم مباشرة. و هم لا يوجّهون هجماتهم إلى علاقات الإنتاج البرجوازية فحسب، بل أيضا إلى أدوات الإنتاج نفسها، فيتلفون السلع الأجنبية المضاربة ، و يُحطِّمون الماكينات، و يُضرمون النار في الفبارك، و يَسعون إلى استعادة الموقع المفقود، موقع الصانع في القرون الوسطى .

و في هذا التطور يُشكّل العمال جموعا مبعثرة في البلاد كلها تُـشتـتها المُزاحمة. فتآزر العمال الواسع-الجماهيري، ليس بعدُ نتيجة اتحادهم الذاتي، بل هو نتيجة اتّحاد البرجوازية التي عليها، لبلوغ أغراضها السياسية الخاصة، أن تحرّك البروليتاريا بأسرها طالما هي قادرة على ذلك. و الحالة هذه فإنّ البروليتاريين في هذا الطور لا يُحاربون أعداءهم، بل أعداء أعدائهم، أي بقايا الحكم الملَكي المُطلق، و الملاكين العقاريين، و البرجوازيين غير الصناعيين و البرجوازيين الصغار. و هكذا تتركـز الحركة التاريخية كلها في أيدي البرجوازية، و كل انتصار يتحقق على هذا النحو هو انتصار للبرجوازية .

لكن مع تقدم الصناعة لا تتسع البروليتاريا فحسب، بل تحتشد في حشود أكثر ضخامة و تنمو قوَّتها، و تعي هي هذه القوة وعيا أفضل. فالمصالح و الأوضاع المعيشية داخل البروليتاريا تتماثل باطراد، بقدر ما تمحو الآلة الفوارق في العمل، و تنخفض الأجرة، في كل مكان تقريبا، إلى مستوى مُتماثل في الإنخفاض. فإن المضاربة المتعاظمة بين البرجوازيين أنفسهم، و الأزمات التجارية الناتجة عنها، تجعل أجور العمال أكثر تقلبا باستمرار؛ و التحسين المتسارع المتنامي، و المتواصل للآلة، يزعزع باستمرار الوضع المعيشي للعمال؛ و المصادمات بين العامل الفرد و البرجوازي الفرد، تَتَّخذ أكثر فأكثر طابع مُصادمات بين طبقتين. و عندئذ يبدأ العمّال في تأليف اتحادات نقابية ضد البرجوازيين؛ و يتكاتفون للحفاظ على أجر عملهم، و يؤلّفون جمعيات دائمة للتمّون تحسّبا لانتفاضات مُحتملة. و هنا و هناك، ينفجر النضال شَغَبا .

و من وقت إلى آخر ينتصر العمال لكن انتصارهم هو إلى حين. و النتيجة الحقة لنضالاتهم ليست في النجاح المباشر بل في اتّحاد العمل المتعاظم باستمرار. و هذا الاتحاد يعززه نمو وسائل المواصلات التي تبتدعها الصناعة الكبرى، و التي تربط بين عمّال مختلف النواحي. و الحال لا بُدّ من الرابط لجعل النضالات المحليّة و المتعددة، ذات الطابع الواحد في كل مكان، تتمركز في نضال وطني، في نضال طبقيّ. غير أنّ كل نضال طبقي هو نضال سياسي. و الإتحاد الذي اقتضى سكان بلدان القرون الوسطى قرونا لتحقيقه، نظرا إلى طُرقاتهم البدائية، تحقّـقه البروليتاريا العصرية في سنوات قليلة بفضل السكك الحديدية .

و انتظام البروليتاريين في طبقة، و بالتالي في حزب سياسي، تنسفه مجددا و في كل لحظة المزاحمة بين العمال أنفسهم؛ لكنه ينهض مرارا و تكرارا قوى و أمتن و أشدّ يأسا، و يستفيد من الإنقسامات في صفوف البرجوازية، فينتزع الإعتراف على وجه قانوني ببعض مصالح العمال، مثل قانون العمل عشر ساعات (يوميا) في انكلترا .

و عموما فإنّ صدامات المجتمع القديم تدفع بطرق شتى بتطور البروليتاريا قدُما. فالبرجوازية تعيش في صراع دائم: في البدء، ضدّ الأرستقراطية، ثم ضدّ تلك الأقسام، من البرجوازية نفسها، التي تتناقض مصالحها مع تَقدُّم الصناعة، ثم بصورة دائمة ضدّ برجوازية جميع البلدان الأجنبية. و في كل هذه الصراعات تجد البرجوازية نفسها مضطرة إلى الإستنجاد بالبروليتاريا، و طلب معونتها، و بذلك تَجرّها إلى المعترك السياسي. و هكذا فإنّ البرجوازية نفسها هي التي تزوّد البروليتاريا بعناصرها التثقيفية أي بالأسلحة التي ترتدّ عليها.

و إضافة إلى ذلك و كما رأينا قبلا، فإن أقساما بكاملها من الطبقة السائدة تنحدر، بفعل تَقدُّم الصناعة، إلى البروليتاريا، أو تتهدد على الأقل بأوضاعها المعيشية. و هذه الأقسام تمدّ البروليتاريا أيضا بطائفة من العناصر التـثـقيـفية .

و أخيرا، عندما يقترب الصراع الطبقي من الحسم، تتخذ عملية التـفسّخ داخل الطبقة السائدة، و داخل المجتمع القديم بأسره، طابعا عنيفا و حادا، إلى حد أنّ قسما صغيرا من الطبقة السائدة يَنسلخ عنها و ينضمّ إلى الطبقة الثورية، إلى الطبقة التي تحمل بين يديها المستقبل. و مثلما انتقل في الماضي قسم من النبلاء إلى البرجوازية، ينتقل الآن قسم من البرجوازية إلى البروليتاريا، لا سيما هذا القسم من الإيديولوجيين البرجوازيين، الذين ارتفعوا إلى مستوى الفَهم النظري لمُجمل الحركة التاريخية .

ومن بين جميع الطبقات، التي تُـناهض البرجوازية اليوم، فإنّ البروليتاريا وحدها هي الطبقة الثورية حقا. فالطبقات الأخرى تنهار و تتلاشى أمام الصناعة الكبيرة، و البروليتاريا هي نِتاجُها الخاص.

و الطبقات الوسطى - الصناعي الصغير و التاجر الصغير و الحِرفيّ الصغير و الفلاّح الصغير - كلها تحارب البرجوازية للحفاظ على وجودها كطبقات وسطى من التلاشي. فهي إذن ليست ثورية بل مُحافظة، و فضلا عن ذلك، إنها رجعية تسعى إلى جعل عَجَلة التاريخ ترجع القهقرى. و إذا وقع لها أن تكون ثوريّة فذلك نظرا إلى انتقالها الوشيك الوقوع، إلى البروليتاريا، و هي بذلك لا تدافع عن مصالحها الراهنة، بل عن مصالحها المقبلة، فتتخلى عن موقعها الخاص، لتَتَبنّى وجهة نظر البروليتاريا .

أما اللومبنبروليترياLumpenproletariat (دون، أو تحت البروليتاريا)، هذا النتن المُستسلم، حثالة الفئات الدنيا من المجتمع القديم، فإنها قد تنجرف هنا و هناك في الحركة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

يد القطاع الخاص تمتد إلى شركاتنا الرابحة

كتبها فادي زيدان ، في 27 شباط 2008 الساعة: 07:47 ص

!    
بقلم: النور   
لقد أتحفنا الفريق الاقتصادي مرة أخرى بمشروع تفاهم بين إدارة شركة أسمنت طرطوس وشركة غيث فرعون للاستثمار التجاري، وهي شركة محدودة المسؤولية رأسمالها مليونان ونصف مليون ريال سعودي، أي ما يعادل 30 مليون ليرة سورية.
وتقضي مذكرة التفاهم قيام شركة فرعون بمهام الإدارة الإنتاجية والحصول على الكميات المنتجة الإضافية عن إنتاج السنة السابقة للمباشرة. وفي حال عدم إعفاء الشركة من الضرائب والرسوم حسب عرضها الأساسي تمدد مذكرة التفاهم لمدة سنتين إضافيتين بحيث تصبح خمس سنوات بدلاً من ثلاث في حال تكليفها بها، ومقابل ذلك تتعهد شركة فرعون بتطوير خطوط الإنتاج، وتحسين جودة المنتج، وتدريب بعض الفنيين والعمال وتحسين الشروط البيئية المحيطة، مقابل تقديم شركة أسمنت طرطوس العمالة الضرورية مدفوعة الأجر والبدلات وتقديمها الآلات وقطع الغيار والمعدات اللازمة بناء على طلبات مسبقة من شركة فرعون دون تحديد مصير باقي العمالة القائمة حالياً.
إن هذه المذكرة تعد مخالفة صريحة لأحكام القانون رقم 51 لعام ،2004 إذ لا يوجد في هذا القانون أي مادة تجيز تأهيل وتطوير أي من شركات القطاع العام من قبل  الغير، كما أن شركة أسمنت طرطوس لم تضع دفتر شروط فنية لاستقدام عروض فنية للاستثمار أو التطوير، وبالتالي فإن شروط التعاقد بالتراضي لا تنطبق مع الحالة المعروضة.. وعليه فإن هذه الحالة العقدية تفقد مشروعيتها، كما أن المذكرة ألزمت شركة أسمنت طرطوس بتسديد قيمة مستلزمات الإنتاج كاملة ليتم استرداد قيمة الأسمنت المسلم لمجموعة فرعون بسعر التكلفة، بحيث تبلغ قيمة أرباح شركة فرعون خلال سنوات العقد الثلاث نحو 074,4 مليارات ليرة سورية. فقد نصت المذكرة على حق الفريق الثاني شركة فرعون في استلام حصته والتصرف بها بالشكل والطريقة والسعر المناسب له.
إن قطاع الأسمنت هو من القطاعات الإنتاجية الاستراتيجية لما له من أهمية في الماضي والحاضر والمستقبل في القطاع العمراني والإنشائي، وبالتالي ضرورة إيلاء هذا القطاع العناية الكافية وتمكينه من العمل بكفاءة. ونحن من

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

لنجعل شعار وحدة الشيوعيين السوريين واقعاً ملموساً..

كتبها فادي زيدان ، في 27 شباط 2008 الساعة: 07:43 ص

إلياس قطيرة ـ قاسيون ◄ من خلال المتابعة المستمرة والاطلاع الدائم والمعايشة اليومية، يبدو واضحاً أن الشيوعيين جميعاً دون استثناء يعلنون ويقرون أن مرجعيتهم الفكرية هي الماركسية اللينينية، وما يختزنه التراث الفكري التقدمي العربي والإنساني، فمن هذه المصادر الثرّة ينهلون مفاهيم المعرفة، ويستوعبون قوانين الديالكتيك وكيفية تطبيقها على أرض الواقع، كونها المنهج والمرشد العلمي لفهمه والعمل لتغييره، وجميعهم يعلنون في السر والعلن تصديهم بكل قوة للقوى المعادية لوطننا وأمتنا، من إمبرياليين وصهاينة، وينبرون لتبني قضايا الجماهير الكادحة وكافة المستضعفين والمحرومين. ولعل ما يكتب في جرائد كافة الفصائل والتنظيمات وفي بياناتهم وأدبياتهم بشكل عام، يظهر بشكل جلي الهجوم المتصاعد على المظاهر السلبية، ومحاربة الفاسدين والمفسدين، والدفاع عن القطاع العام وضرورة حمايته والحفاظ عليه وإصلاحه، والتأكيد على توسيع الهامش الديمقراطي واحترام الرأي والرأي الآخر، واللجوء إلى لغة الحوار حول كافة القضايا العالقة، والإقلاع نهائياً عن سياسة القمع، وحماية حرية التعبير وإبداء الرأي، شريطة أن تصب جميعها في مصلحة الجماهير وتحصين الوطن من الداخل، وزيادة منعته وقوته وتصليب عودة لمواجهة المخاطر المحدقة والمتجهة إليه من كل حدب وصوب، فإذا كان هدف الجميع، كما هو معلن، التمركز حول هذه القضايا الأساسية، ألا يتوجب عليكم جميعاً أيها الرفاق الأعزاء، وخاصة القادة والكوادر أينما كنتم ومهما كان موقعكم، أن تعلنوا وبالفم الملآن أن بقاء الشيوعيين على هذه الحالة المأساوية من الفرقة والتباعد يصل إلى درجة التناحر الخطير بأنه خطأ فادح وجريمة لا تغتفر؟ والجميع يعترف بأن الاعتراف بالخطأ فضيلة، والاستمرار به جريمة والرجوع عنه غنيمة!.
فتواضعوا قليلاً أيها الرفاق، لأن التواضع دليل القدرة على تحمل المسؤولية، والقدرة على التضحية ونكران الذات، والقدرة على اتخاذ الموقف السليم والحاسم في الظرف الصعب والخطير. وهنا يصح فيكم قول الشاعر:
ملء السنابل تنحني بتواضع    والفارغات رؤوسهن شوامخ
فجريمة نكراء أن نبقى نصم آذاننا وندير ظهورنا لرغبات الشيوعيين المنتشرين على مساحة الوطن، وهاجسهم الدائم هو الوحدة والتلاقي التي تعيد لهذا الحزب دوره الوظيفي والتاريخي ليلعب الدور المنوط به في تجميع القوى الخيرة وتوحيدها، وصدق من قال: إذا لم نسارع إلى الوحدة في هذه الظروف الخطي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مائة وستون عاماً على إصدار «البيان الشيوعي»

كتبها فادي زيدان ، في 27 شباط 2008 الساعة: 07:39 ص

عبد العزيز حسين/ قاسيون ــ في هذا العام يكون قد مر «160 عاماً» على صدور الطبعة الأولى للبيان الشيوعي الذي صدر في شباط عام 1848، وكما تقول بعض المصادر إن أول مترجم للبيان إلى اللغة العربية هو «ميخائيل عطايا»، وكان الأخير قد وصل إلى موسكو عام 1873، وعمل في معهد «لازاريف» للغات الشرقية، وألّف قاموس عربي- روسي، وتوفي في موسكو عام 1924 والمولود في دمشق عام 1853، ولكن يبقى المترجم الأساسي للبيان الرفيق خالد بكداش وذلك في عام 1933، كما قام بعده الرفيق فؤاد الشمالي بترجمة مقتطفات من البيان ضمن كتابه «الاشتراكية» وذلك في عام 1936، وكما تقول هذه المصادر إنه قبل صدور البيان كان أنجلس قد كتب بتكليف من المؤتمر الأول لـ«إتحاد الشيوعيين» وثيقة سميت حين ذاك «رمز البيان» تحت اسم «قانون أو دستور البيان»، وكان شعار هذه الوثيقة «كل الناس إخوة»، وفي عام 1847 اقترح أنجلس على ماركس إلغاء القسم الذي أقر بالمؤتمر الأول وتبديل «رمز الإيمان بالبيان الشيوعي» وشعار «كل الناس إخوة» ليصبح «يا عمال العالم اتحدوا».
وقد وصف لينين البيان الشيوعي قائلاً: «إن هذا المؤلف يعرض بوضوح ودقة عبقريين المفهوم الجديد للعالم، فهو يعرض المادية المتماسكة التي تشمل أيضاً ميدان الحياة الاجتماعية والديالكتيك بوصفه المذهب الأوسع والأعمق للتطور، ونظرية النضال الطبقي والدور الثوري الذي تضطلع به في التاريخ العالمي البروليتاريا خالقة المجتمع الجديد المجتمع الشيوعي».
واليوم لابد من قراءة البيان الشيوعي قراءة جديدة حسب التغيرات والتطورات التي حدثت في العالم، وهذا هو جوهر المادية الديالكتيكية، بعيداً عن العقلية التصفوية التي تزعم وتدعي إفلاس الماركسية وأنه لم يعد بالإمكان الاستفادة منها، خاصةً الذين أصابهم الإحباط واليأس والهلع بعد انهيار بعض الأنظمة الاشتراكية. وأيضاً بعيداً عن عقلية التحجر والجمود التي تدعي الثبات والرجولة وغيرها من التعابير المثالية والرومانتيقية، ولا يعيرون الاهتمام للمستجدات وللأخطاء التي حدثت. هذه المفاهيم التي تسيء إلى الماركسية اللينينية وتشوه جوهر منهجها المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية. إن التجديد الذي ننشده ليس سيراً مع التيار ولا هو موضة أو أرضاء لبعض القوى الانتهازية بل هو عملية تتطلبها ضرورات موضوعية، وأدرك تماماً أن اتخاذ مثل هذه المواقف ليس سهلاً، بل يستدعي أولاً مقاومة الجمود والتحجر وقوى العادة، وهذا ليس بأمر غريب على الأحزاب الشيوعية وعلى الماركسيين عموماً. يقول لينين في مقالته «برنامجنا»: «نحن لا نعتبر أبداً نظرية ماركس شيئاً كاملاً لا يجوز المساس به، بل إننا مقتنعون بأنها لم تفعل غير أن وضعت حجر الأساس لذلك العلم الذي يترتب على الاشتراكيين

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بصدد الطبقة العاملة…استسلام؟ لا، بل ثورة

كتبها فادي زيدان ، في 18 شباط 2008 الساعة: 07:27 ص

جان فرانسوا أوتييه ــ ترجمة قاسيون: عبر عنوان فرعي بلونين على عرض الصفحة الأولى من جريدة لومانيتيه، أعلنت يوم الأربعاء عن "مقابلة كبيرة" من أجل "فهم رأسمالية القرن الحادي والعشرين"، ثم ذكّرتنا على صفحتين وتحت عنوان "عصر مجتمع الخدمات" بأنّ الحياة الاقتصادية قد تغيرت كثيراً منذ ماركس. وإثر التطورات التقنية والتكنولوجية، وبسبب تجاوز نسبة عمال الخدمات 70 بالمائة من السكان الفاعلين، فإنّ "الطبقة العاملة قد خسرت دورها التاريخي" ونحتاج بالتالي إلى مشروعٍ جديدٍ للمجتمع. هذا إذن، ببضع كلمات، ما يتوجب فهمه من الرأسمالية اليوم. لم أكن القارئ الوحيد الذي فهم بأنّه يتوجب عليّ الاستسلام، وأن أقبل مؤقتاً على الأقل الرأسمالية بوصفها نهاية التاريخ. أتجرأ على القول، حتى إن كان كلامي سيتسبب بصدمة، بأنّ هذا التأكيد، المحبط بالكامل للنضال المباشر (لكن ربما كان هذا هدفه)، يبدو لي وكأنه يعود لتصور عمالوي للطبقة العاملة. وباعتبار أنّ النص مزروع بالتلميحات لماركس والماركسية، لكن دون أن يتجرأ أبداً على مواجهة أدنى استشهاد، تبدو العودة إلى قراءة نصوص ماركس وإنغلز ضرورية جداً، ولاسيما بالنسبة لأولئك الذين يعتقدون بأنّ لديهم ما يفعلونه غير قراءة تلك اللحى العجوز. وبالفعل، يبدو لي أنّ المرء إذا سمح بأن تعميه مظاهر "مجتمع الاستهلاك" و"مجتمع الخدمات" (مع نسيان أنّ العديدين لم يعودوا يقومون سوى بخدمة ما لم يعد ينتج في فرنسا لفترة معينة، ثم يلتحقون بمستبعدي الاستهلاك والخدمات الذين يتزايد عددهم باستمرار)، فإنه يمر قرب الأساسي: نحن نعيش الدكتاتورية الإرهابية لرأس المال المالي المتوسع. الغريب (؟) أنّ عدداً من صناع الرأي لا يهتمون اهتماماً كافياً بهذا الإرهاب الذي يدمر وسائل عيش ملايين الأشخاص ويزرع البؤس والجوع ويقلص النفقات الصحية ويلغي الأدوية المفيدة التي لا تدرّ ما يكفي من الأموال، ويقتل ويزرع الحرب والموت والأسى، ويلوث الكوكب ويسممه، قادراً على أن يقبل دون أن يرف له رمش الموت المتوقع لمليار كائن بشري نتيجة التغيرات المناخية التي يتسبب بها، الخ.
خلالفاً لأولئك الذين لديهم تصور عمالوي للطبقة العاملة، فإنّ ماركس وإنغلز لا يختزلانها إلى العمال من البروليتاريا. بالنسبة لهما، على عكس البرجوازية الرأسمالية، هنالك مجمل العاملين بأجر، البروليتاريا، بوصفها طبقة بذاتها. وهنالك البروليتاريا الثورية، الطبقة العاملة، بوصفها طبقة لذاتها. على مدى السنوات، أصبح هذا التمييز أكثر فأكثر وضوحاً في مقدمات بيان الحزب الشيوعي، كما لو أنهما كانا يستشعران خطر انحدارٍ  عمالوي.اليوم مثلما في العام 1848، ننتج للرأسماليين، ما يقرره الرأسماليون، في المكان الذي يقرره الرأسماليون، كي يزيد هؤلاء الرأسماليون رأسمالهم دائماً. اليوم كما في العام 1848، ليس هنالك إلا طبقتان رئيسيتان، تضطر إحداهما من أجل البقاء إلى بيع قوة عملها للطبقة الثانية التي تعيش منه: البروليتاريا والبرجوازية. لكن الفارق الرئيسي مع العام 1848 ليس التقنيات الجديدة بقدر ما هو توسع البروليتاريا لتشمل الغالبية العظمى من النشاطات البشرية، انسحاق الطبقات الوسيطة، والضمور العددي للبرجوازية، تلك الطبقة الطفيلية المتعيشة على استغلال العمل المأجور. اليوم، وفي حين أنّ 92 بالمائة من السكان الفعالين مأجورون، بروليتاريون، و(باستثناء أقلية من أتباع رأس المال) يعانون معاناةً شديدة من الدكتاتورية الإرهابية لرأس المال المالي المتوسع، فالمسألة التي تطرح نفسها هي إعادة السيطرة على الثروات إلى تلك البروليتاريا التي تخلقها، وبالتالي السيطرة على رأس المال، أي مصادرة رأس المال للسماح بامتلاكه الاجتماعي: إنه شرط وضع حدٍّ لانسحاق المأجورين.اليوم كما البارحة، تكمن المشكلة في فعل كل شيء للسماح للبروليتاريا بالوصول إلى الوعي الطبقي، بالانتقال من وضع الطبقة بذاتها إلى وضع الطبقة لذاتها، إلى وضع "الطبقة العاملة"، للتحرر ولتحرير الإنسانية من نير الرأسمالية.وهذا لن يجري عبر الإفراط في التدقيق على المستغَلين، بل بأن نظهر لهم بأنهم معاً ضحايا حفنة مستغِلين استأثروا بالحق في الحياة أو الموت، بأن نظهر لهم بأنّ التاريخ يشهد على أنه إذا لم يسحقهم الاستغلال بعد بنفس الدرجة، فلا أحد سينجو: الجيل الجديد يعيش وضعاً أسوأ من وضع الأجيال السابقة له. ربما يعترض البعض قائلين بأنّ ماركس يشرح القيمة المضافة باستخدام أشياء مصنوعة وليس باستخدام منتجات فكرية، غير محسوسة؛ وبأنّ المعلوماتية لم تكن موجودة في عصره.عدّد ماركس وإنغلز الاضطرابات التي تتسبب بها البرجوازية الرأسمالية للتشكل الاقتصادي والاجتماعي في "بيان الحزب الشيوعي"، فكتبا: "ينطبق على الإنتاج المادي ما ينطبق على الإنتاج الفكري."إن لم أكن مخطئاً، ومثلما هو حال غاليليو وعبارته "ومع ذلك فإنها تدور"، أدرك ريكاردو القيمة المضافة، لكنه لم يعرف كيف يفسر مسار الاستيلاء الخاص. وهذا ما فعله ماركس. لكنه فعل موضحاً منذ البداية: "بعد أن نضع جانباً قيمة استهلاك البضائع، لا يبقى لها إلا صفة واحدة، هي أنها نتاج العمل. (…) لا يبقى إذن إلا الطابع المشترك لهذه الأعمال؛ إنها جميعاً تعود لنفس العمل البشري، لإنفاقٍ لقوة العمل البشرية دون اعتبارٍ للشكل الخاص لإنفاق هذه القوة." (كارل ماركس، "رأس المال"، الكتاب الأول، تطور الإنتاج الرأسمالي، قسم: البضاعة والنقد.) "… دون اعتبارٍ للشكل الخاص لإنفاق هذه القوة." في ما يخص "غير المحسوس"، كان لدى ماركس وإنغلز تصورٌ وحدانيٌّ للعالم لا يفصلانه إلى فكري من جانب ومادي من جانبٍ آخر. وهذا أمرٌ فهمه الرأسماليون جيداً، حتى إذا كان لدى البعض منهم تصور ثنوي للعالم: لقد نجحوا في جعل "غير المحسوس" سلعةٌ يتم تبادلها في السوق بمالٍ محسوس… لتحقيق القيمة المضافة المتضمنة في هذا "الغير محسوس" والاستيلاء عليها…
"لم يقم الفلاسفة إلا بتفسير العالم بأساليب مختلفة، والمهم هو تغييره." (كارل ماركس وفردريك إنغلز، الإيديولوجيا الألمانية، الأطروحة 11 حول فيورباخ). على مثال ماركس وإنغلز اللذين لفتا النظر في مقدمة الطبعة الألمانية للعام 1872 للبيان الشيوعي، في حين أغرقت الكومونة في الدماء ولم يكن للنقابة وجودٌ شرعي، إلى "التقدم الهائل في الصناعة الكبيرة في السنوات الخمس والعشرين المنصرمة والتقدم الموازي الذي حققته الطبقة العاملة في تنظيم نفسها في حزب"، فإنّ أولئك الذين يرغبون في أن تحول بروليتاريا القرن الحادي والعشرين الثورية العالم، دون أن يعميها انتخاب ساركوزي، يقدّرون المعنى الطبقي للتصويت السلبي بنسبة 54.7 بالمائة من الشعب الفرنسي في 29 أيار 2005، والحكم السلبي الذي يطلقه 61 بالمائة من الفرنسيين على الرأسمالية (استبيان قام به لويس هاريس ـ صحيفة ليبيراسيون، نشر في 4/11/2005)، وبروز إرغام الشبيبة للحكومة على سحب قانون عقد العمل الأول في حين تخلت النقابات عن العمل ضد عقد العمل الأول CNE.أولئك الذين يريدون بأي ثمن إحلال الانقسام إلى يسار ويمين محل التناقض الأساسي بين رأس المال والعمل لا يدينون بهذا الوعي إلى ما هي عليه الرأسمالية وأوروبا الخاصة بها، بل بصورة أساسية إلى ممارستهم اليومية للرأسمالية. وإذا كان بمقدور جزءٍ منهم أن يسمحوا لأنفسهم بالانخداع والمشاركة في انتخاب ساركوزي، فذلك بصورة خاصة لأنّ الحزب الشيوعي الفرنسي، حزبي منذ العام 1963، لا يقترح عليهم أي مشروعٍ آخر.. تحت إدارة وزيرة سابقة لـ"اليسار التعددي" (تلك التي خصخصت أكثر مما فعلت أية حكومة يمينية) انتخبت إلى المؤتمر الحادي والثلاثين (2001) لتزويد الحزب الشيوعي الفرنسي بمشروعٍ شيوعي لم يوجد حتى الآن، ساند الحزب الشيوعي في الانتخابات الرئاسية برنامجاً لا يمس ملكية رأس المال، واقترح إعادة شراء الدولة لأسهم شركة الصناعات الفضائية والدفاعية الأوروبية EADS؛ بكلماتٍ أخرى، جعل المأجورين يدفعون المال عبر الضريبة، رأس المال هذا الذي ليس سوى نتاج عملهم وجردتهم البرجوازية منه! كيف يمكن للبروليتاريا الثورية أن تجد نفسها في مثل هذا البرنامج؟
وزيرٌ آخر من "اليسار التعددي"، ذاك الذي شرح بأنّ فتح رأسمال شركة الخطوط الجوية الفرنسية إير فرانس ليس خصخصة، يأتي ليقترح بأن يلغي الحزب الشيوعي الفرنسي صفة "الشيوعي" من اسمه. وعلى الرغم من أنّ أكثر من 70 بالمائة من قطاعات الحزب الشيوعي الفرنسي ترفض هذا الاقتراح، نالت وزيرة "اليسار التعددي" التي تتزعم الحزب، ملوحةً بخطر انفجار الحزب، الإذن بمواصلة تصفية ما كان حزباً ثورياً ببلوغ العام 2008. حينذاك، وبالتوافق مع ذلك، قامت صحيفة الأومانيتيه، التي لم تعد الصحيفة المركزية للحزب الشيوعي الفرنسي والتي تصبح أقل فأقل صحيفة جوريس وأكثر فأكثر صحيفة لاغاردير، بإدارة صديقٍ لذاك الذي استند إلى حاجةٍ حقيقية لتطور الحزب لجعله يتحول إلى محتوىً اجتماعي ديمقراطي، قامت بالتأكيد على أنّ "فهم رأسمالية القرن الحادي والعشرين" هي الاستسلام لانتظار بروز مشروعٍ جديد للمجتمع…
هل يمكن القيام بما هو أفضل من هذا لدفع البروليتاريا الثورية إلى اليأس؟ صحيحٌ أنّ صفة الشيوعية فائضة بالنسبة لهؤلاء القادة!
لكن هل من الضروري زرع اليأس إذا كانت البروليتاريا تقبل المصير الذي توعد به دون التهديد بوضع حدٍّ لسيطرة البرجوازية؟
لقد آن الأوان، آن حقاً الأوان كي تنعقد مجالس للشيوعية، مفتوحة على هذه البروليتاريا التي تواجه هجمات رأس المال وتقاتل وتبحث عن وحدتها رغم كافة مانعي "الجميع معاً" وأولئك الحريصين على التفاوض على تراجعٍ اجتماعي جديد؛ مفتوحة ع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نقد برنامج غوتا(1-9)

كتبها فادي زيدان ، في 18 شباط 2008 الساعة: 07:17 ص

نقد برنامج غوتا(1-9)

 

 

كارل ماركسمقدمة لفريدريك انجلس1

إن المخطوطة التي تطبع في هذا الكراس، - سواء الرسالة إلى براكه أو نقد مشروع البرنامج - قد ارسلت إلى براكه في عام 1875 ، قبيل انعقاد مؤتمر غوتا التوحيدي2، لكي يعرضها بدوره على غيب وآوير وبيبل وليبكنخت ثم يعيدها إلى ماركس. ولما كانت مناقشة برنامج غوتا واردة في جدول أعمال مؤتمر الحزب في هاله3، فاني اعتقد أني أقترف جريمة إذا ما تماهلت زمناً آخر أيضاً بنشر هذه الوثيقة الهامة ، والتي ربما تكون أهم الوثائق التي تتعلق بهذه المناقشة.

ولكن للمخطوطة شأناً آخر أيضاً، واكبر بكثير. فللمرة الأولى نجد فيها الموقف الذي اتخذه ماركس إزاء الخطة التي تبناها لاسال منذ بداية نشاطه التحريضي ، نجده معروضاً بوضوح ودقة، شاملاً في آن مبادئ لاسال الاقتصادية وتكتيكه.

فان الصرامة القاطعة التي حلل بها ماركس مشروع البرنامج، والتصلب الذي أورد فيه استنتاجاته، ونقاط الضعف التي كشفها وعرّاها في المشروع ، كل ذلك لو يعد بالإمكان أن يجرح اليوم أحداً ، بعد مضي خمسة عشر عاماً . فلم يبق من اللاساليين الأصليين إلا في الخارج، بصورة أنقاض منفردة ، بل إن واضعي برنامج غوتا قد تخلوا عنه في هاله باعتباره غير مرض إطلاقا.

ورغم ذلك، حذفت، حيث لا يهم الحذف، التعابير والتقديرات القاسية المتعلقة ببعض الشخصيات، واستعضت عنها بنقط. إن ماركس كان فعل الشيء نفسه لو انه نشر مخطوطته اليوم. فان عنف اللهجة الذي نجده فيها أحياناً إنما نجم عن اعتبارين. الأول، هو أننا كنا، ماركس وأنا، ملتحمين في الحركة الألمانية أكثر مما في أية أخرى، فكان لابد للتراجع البين في مشروع البرنامج من أن يبعث فينا بالغ الاشمئزاز. أما الاعتبار الثاني، فهو إننا كنا حينذاك، وما كادت تمضي سنتان على مؤتمر الأممية في لاهاي4، في ذروة المعركة ضد ب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الماركسية والدين

كتبها فادي زيدان ، في 18 شباط 2008 الساعة: 07:10 ص

الماركسية والدين

 
 

مايكل لوفي
ترجمة: بشير السباعي

ينظر معظم مؤيدي الماركسية وخصومها إلى عبارة" الدين أفيون الشعوب " الشهيرة علي إنها خلاصة المفهوم الماركسي عن الظاهرة الدينية. علي أننا يجب أن نتذكر بادئ ذي بدء أن هذا التعبير ليس ماركسيا بشكل خاص، فالعبارة نفسها يمكننا العثور عليها، في سياقات مختلفة، في كتابات كانط وهيردر وفيورباخ وبرونو باور وهاينريش هاينه……

إن من شأن قراءة متأنية لمجمل فقرة ماركس التي يظهر فيها تعبير " الدين أفيون الشعوب " أن تبين أن كاتبها أكثر إدراكا لدرجات الألوان مما هو شائع عنه. فهو يأخذ في اعتباره الطابع المزدوج للدين: "إن الهم الديني هو في الوقت نفسه تعبير عن هم واقعي واحتجاج علي هم واقعي. إن الدين هو آهة الخليقة المضطهدة، هو قلب عالم لا قلب له، مثلما هو روح وضع بلا روح. إنه أفيون الشعب ".

وإذا ما قرأنا مجمل البحث الذي ترد فيه هذه الفقرة - والذي يحمل عنوان " نحو نقد لفلسفة الحق الهيجلية " والمكتوب في عام 1844 - فسوف يتكشف لنا بوضوح أن رأى ماركس يدين للهيجلية الجديدة اليسارية، التي اعتبرت الدين اغترابا للجوهر الإنساني، بأكثر مما يدين لفلسفة التنوير التي ترجع إلي القرن الثامن عشر والتي أدانت الدين بوصفه مؤامرة إكليركية لا أكثر ولا اقل.

والواقع أن ماركس عندما كتب الفقرة الأنفة كان لا يزال تلميذا لفيورباخ، هيج يليا جديدا. ومن ثم فإن تحليله للدين كان " قبل ماركسي " لا يتميز بأية إحالة طبقية علي انه مع ذلك جدليا لأنه قد استوعب الطابع المتناقض للظاهرة الدينية: فهي في بعض الأحيان تمثل إضفاء للشرعية علي المجتمع القائم وهي في بعض الأحيان تمثل احتجاجا عليه. ولم تبدأ الدراسة الماركسية المحددة للدين بوصفه علاقة اجتماعية وتاريخية إلا فيما بعد - خاصة مع مخطوط " الأيديولوجية الألمانية (1846).

وقد تضمنت تلك الدراسة تحليلا للدين بوصفه أحد الأشكال الكثيرة للإيديولوجية، الإنتاج الروحي لشعب ما،إنتاج الأفكار والتمثيلات والوعي - والتي تعتبر كلها بالضرورة مشروطة بالإنتاج المادي والعلاقات الاجتماعية المتناسبة معه، علي أن ماركس، منذ تلك اللحظة فصاعدا، لم يول اهتماما كبيرا للدين بصفته هذه، أي بصفته كونا ثقافيا /أيديولوجيا نوعيا للمعني.

….. وانجلز أبدي فرديريك اهتماما بالظاهرة الدينية وبدورها التاريخي يفوق اهتمام ماركس بهما بكثير. وتتمثل مساهمة انجلز الرئيسية التي قدمها إلى الدراسة الماركسية للأديان في تحليله لعلاقة التمثيلات الدينية بالصراع الطبقي.

وفيما وراء المناظرة الفلسفية (المادية ضد المثالية) حاول فهم وتفسير التجليات الاجتماعية الملموسة للأديان. فالمسيحية لم تبدو في نظره (مثلما كانت تبدو في نظر فيورباخ) بوصفها "جوهرا " منفصلا عن الزمن، بل هي تبدو بوصفها شكلا ثقافيا يتعرض لتحولات في العصور التاريخية المختلفة: فهي تبدو في البداية بوصفها ديانة للعبيد، ثم بوصفها أيديولوجية ملائمة للهيراركية الإقطاعية واخيرا بوصفها أيديولوجية تتميز بالتكيف مع المجتمع البورجوازي.

وهي تظهر من ثم بوصفها فضاء رمزيا تتنازع عليه قوي اجتماعية متناحرة: اللاهوت الإقطاعي والبروتستانتية البورجوازية والهرطقات الشعبية. وفي بعض الأحيان كان تحليله يزل في اتجاه تفسير نفعي، ذرائعي، بشكل ضيق للحركات الدينية: "…. وان كل طبقة من الطبقات المختلفة تستخدم الدين الملائم لها… ولا أهمية تذكر لما إذا كان هؤلاء السادة يؤمنون بالأديان التي يتبناها كل منهم أم لا " ويبدو أن انجلز لا يري في صور الإيمان المختلفة غير" الستار الديني" للمصالح الطبقية.

لكن انجلز بفضل منهجه الذي يؤكد علي الصراع الطبقي ن قد أدرك - خلافا لفلاسفة التنوير - أن النزاع بين المادية والدين لا يتطابق دائما مع الصراع بين الثورة والرجعية. فنحن نجد، علي سبيل المثال، في إنجلترا في القرن الثامن عشر، أن المادية ممثلة في شخص هوبز قد دافعت عن الملكية المطلقة في حين أن الشيع البروتستانتية قد استخدمت الدين كراية لها في النضال الثوري ضد آل ستيوارت.

وبالشكل نفسه،بدلا من اعتبار الكنيسة كلا متجانسا من الناحية الاجتماعية نقدم تحليلا رائعا يبين كيف أن الكنيسة قد انقسمت في بعض المنعطفات التاريخية بحسب تركيبها الطبقي. وهكذا فخلال زمن الإصلاح،كان علي أحد الجانبين كبار رجال الدين، القمة الإقطاعية للهيراركية، وكان علي الجانب الآخر صغار رجال الدين، الذين جاء من بين صفوفهم إيديولوجيو الإصلاح وإيديولوجيو الحركة الفلاحية الثورية ز ومع كون انجلز ماديا " ملحدا " وعدوا لدودا للدين، فانه قد أدرك، شأنه في ذلك شأن ماركس الشاب، الطابع المزدوج للظاهرة الدينية: دورها في إضفاء الشرعية علي النظام القائم، ولكن أيضا، تبعا للظروف الاجتماعية، دورها الإنتقادي والاحتجاجي، بل والثوري.

وعلاوة علي ذلك فإن معظم الدراسات الملموسة التي كتبها قد ركزت علي هذا الجانب الثاني: حيث تركزت، بالدرجة الأولي، علي المسيحية البدائية، ديانة الفقراء والمنبوذين والمهانين والمضطهدين والمقهورين.

فقد جاء المسيحيون الأوائل من ادني مستويات المجتمع: العبيد، الأحرار الذين حرموا من حقوقهم، وصغار الفلاحين الذين نزحوا تحت نير الديون بل إن إنجلز قد مضي إلى حد رسم تواز مثير بين هذه المسيحية البدائية والاشتراكية الحديثة: (أ) إن الحركتين الكبيرتين ليستا من عمل زعماء وأنبياء- مع أن الأنبياء ليسوا بالمرة قليلين في أي منهما -بل هما حركتان جماهيريتان.(ب )إن كليهما حركات مضطهدين، يعانون من القهر والمنتمون إليهما يتعرضون للتشريد والملاحقة من جانب السلطات الحاكمة.

(ج) أن كليهما يدعوان إلى تحرر وشيك من العبودية والبؤس. وسعيا إلى زخرفة مقارنته، نجد أن إنجلز يت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أحزاب اليسار والدور المنوط بها

كتبها فادي زيدان ، في 12 شباط 2008 الساعة: 10:52 ص

بقلم: د. فؤاد الضاهر   

تعيش الأحزاب السياسية اليسارية فترات صعبة تحمل في طياتها كثيراً من المعاناة والمخاطر تتجلى في حالة التفكك والتراجع وحالة الترهل والارتخاء التنظيمي في ظروف يمكن أن تكون هي المناخ الملائم لتنشيط وتفعيل دور هذه الأحزاب، كالأوضاع الراهنة المتمثلة في استمرار الغطرسة العدوانية الهمجية الأمريكية الصهيونية من جهة، والفساد والفوضى والمحسوبيات ونهب الخيرات وسرقة قوت الشعب والعديد من المظاهر الأخرى من جهة أخرى، والتي تشكل أرضية ومناخاً محفزاً ودافعاً للنشاط والتفعيل. أمام هذه الظروف والمستجدات الصعبة ، تتضح أهمية الدور التاريخي الذي يجب أن تأخذه الأحزاب اليسارية لقطع الطريق على كل من يحاول أو يسعى إلى التفريط بالحقوق الوطنية والديمقراطية والمطلبية، وهذا ما يتطلب منها العمل من أجل توفير عناصر وعوامل قوتها من خلال تطوير وإعادة بناء خطابها السياسي الديمقراطي الاقتصادي الاجتماعي وتطوير نضالها الحزبي وتأهيله بصورة تجعله قادراً على مواجهة استحقاقات هذا النضال في هذه المرحلة رغم كل الصعاب باتصالها مع أوسع قطاعات الجماهير التي تمثل حجر الأساس، لكل فعل راهن ومستقبلي، وذلك من خلال تحديث أدائها السياسي وتكييف الأيديولوجيا والنظريات مع سمات العصر وتطوراته معتمدين على التحليل الواقعي للوضع الملموس وصياغة الموقف من مسائله، والتخلي عن الكثير من نمط التفكير المتبع بحل مسائل الأمس، والذي لا يمكن له أن يحل مسائل اليوم، والاعتماد على كادر مؤهل معرفياً وتنظيمياً للقيام بدوره والتخلص من مظاهر الخلل والتسيّب والشللية، والوقوف أمام هذه الظواهر السلبية بروح نقدية بناءة هادئة ومتزنة ومواجهة أسبابها ومعالجتها بصراحة ووضوح ، وبروح عالية من المسؤولية.
ولكن السؤال الذي نطرحه هو: هل ثمة إمكانية للخروج من الأزمة الراهنة التي تصيب أحزاب اليسار؟ وهل ثمة إمكانية لتقدم هذه الأحزاب إلى الأمام لتلعب دو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نحو خطاب علماني أوضح ـ سورية 2007

كتبها فادي زيدان ، في 12 شباط 2008 الساعة: 10:51 ص

بقلم: هيثم الشعار   

هذا العنوان وما يحيل إليه من مضامين متعددة ومتشابكة كان الشاغل الذي شغل المنتدين والحاضرين في الندوة التي حملت العنوان الحار براهنيته والمحمل بكل هذا المحيِّر من الأسئلة والإشكاليات الفكرية والسياسية. أقام الندوة المكتب الثقافي للجنة المنطقية للحزب بحلب مقدماً ورقة عمل أشاد بها جميع من وصلتهم.
وكانت الندوة مناسبة هامة ليلتقي جمهور مثقفي حلب والمهتمون فيها باثنين من خيرة مثقفي سورية وأكثرهم اطلاعاً في الموضوع الإشكالي المطروح، ولكليهما باع طويل في تقديم الجديد والراهن في محاضراتهما وكتاباتهما المختلفة، برغم اختلاف حقلي عملهما بين التدريس الجامعي والبحث العلمي الأكاديمي للأول، وهو الأستاذ الدكتور يوسف سلامة المفكر العربي، وبين النقد الفكري والسياسي والعمل الثقافي الحزبي للثاني، وهو الأستاذ الرفيق عطية مسوح المعروف بتجديداته الإشكالية في الحزب وممارسته الشك العلمي فيما يصل إليه من أفكار قديمة أو جديدة.
وقد استثارت الندوة المشغولة بإشكاليات الفكر والواقع، النظري والعلمي، القديم الراسخ والراهن المتحرك، العالمي والوطني المحلي، استثارت الكثير من المقاربات الجديدة التي طرحها المحاضران لعل استمرار الحوار فيها يقربنا كعلمانيين من صياغة خطاب علماني أوضح يكون استجابة جماهيرية ـ وليس نخبوية فقط ـ لتطلبات استمرار الثقافة الوطنية في سورية عاملاً موحداً للوعي العام، بينما تواجه العلمانية والعلمانيون بسوء الفهم، وكم (عانت العلمانية من الظلم من خصومها كما من أنصارها) كما قال الرفيق عطية.
د. يوسف سلامة: عقد علماني مدني شعبي في سورية
تحدث الأستاذ الدكتور يوسف سلامة بفصاحته المعهودة ولغته السهلة مستعرضاً الجانب النظري من العلمانية ومؤسساً لأطروحاته التطبيقية عبره. فميَّز بين العِلمانية (بكسر العين) والعَلمانية (بفتحها)، وأكد أن الاشتقاق اللغوي من (العَلْم= العالم) هو الذي يعطي العلمانية الدلالة الحقيقية لها. وفي سبيل مزيد من التوضيح عدد ما سماها (أركان العَلمانية)، فرأى أن الركن الأول هو النظر إلى الإنسان والظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية، على أنها شؤون دنيوية. أما الركن الثاني الأساسي فهو العقلانية التي لا تزدهر ولا يستطيع العقل أن يؤدي وظيفته فيها إلا بوجود الحرية. وهي الركن الثالث للعلمانية. أما ركنها الرابع فهو الديمقراطية التي هي التجسيد السياسي للحرية بوصف الديمقراطية أداة وآلية لتنظيم المجتمع لتكون كل مكوناته فاعلة في حراكه.
ووضح د. يوسف أن العلمانية ليست ضد الدين أو نقيضه، والعلماني يمكن أن يكون مؤمناً أو ملحداً، فهي تعني مجرد الاعتراف بوجود حقلين مختلفين: الدنيوي ومجاله السياسة، والروحي وهو المتعلق بالمقدس. أما لماذا لم تنفصل السياسة لدينا عن المقدس؟ فهذا نفسه شأن سياسي وليس دينياً.
ثم انتقل ليتحدث عن التجربة السورية، فبيّن أن سورية منذ قيام الدولة العربية بزعامة فيصل قد دخلت طوراً جديداً من الحياة يختلف عن النمط الذي عاشته أيام العثمانيين، (ففي سورية هناك علمانية مدنية منذ البداية. وهناك عقد علماني مدني غير مكتوب بين السوريين خلال سبعين سنة سمحت لكل الطوائف والإثنيات أن تتعايش مع بعضها).
وبما يخص سورية اليوم، فقد وضح أن الدستور السوري لا يتعارض مع العلمانية، فإذا استعرضنا المواد الت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من السلفية التنويرية إلى السلفية في عصر التراجع النهضوي.. وأثر الريع النفطي في الحالة الراهنة

كتبها فادي زيدان ، في 12 شباط 2008 الساعة: 10:49 ص

بقلم: عبد الله حنا   

في النصف الأول من القرن العشرين , اعتقد أجدادنا وآباؤنا أنهم سيلحقون بالغرب ويحققون نهضتهم إذا اتبعوا الأمور التالية أو بعضاً منها، وهي:

اكتساب المعارف والتقنيات.
الانتقال من الحِرَف والعمل اليدوي إلى الثورة الصناعية المتمثلة آنذاك بعصر البخار والكهرباء.
تصفية العلاقات الإقطاعية والانتقال إلى الثورة البورجوازية.
اتخاذ العقلانية منهجاً في التفكير والعمل.
الدعوة إلى الحداثة.
تطبيق الديموقراطية في المجتمع والدولة.
إقامة الدولة الحديثة ذات القوانين الوضعية.
الوعي الوطني , وكذلك الوعي القومي العربي. وفي تلك الأجواء ألّف خالد محمد خالد عام 1951 كتابه الشهير الصادر في القاهرة: (مواطنون لا رعايا).
التجديد الديني الإسلامي , الذي احتلّ منزلة خاصة في عصر النهضة وصعودها.
الدعوة إلى العلمانية وفصل الدولة عن الدين , وليس فصل الدين عن المجتمع. وهذا شعار الجناح الأبرز بين النهضويين.
 ***
 مرّت النهضة العربية منذ قيامها في القرن التاسع عشر حتى تعثرها (أو خمودها) في أواخر القرن العشرين بالمراحل الأربع التالية:
 - المرحلة الأولى تنتهي مع انهيار الدولة العثمانية واحتلال المستعمرين لمعظم أقطار العالم العربي.
 المرحلة الثانية تمتد بين الحربين العالميتين وتتميز: بتكوّن الوعي الوطني.. انتشار أفكار التنوير والعقلانية.. رفع راية النضال الوطني المناهض للإمبريالية.. وضع أسس المجتمع المدني.
 المرحلة الثالثة مرحلة الاستقلال الوطني , ومن سماتها: السير في طريق التصنيع , الإصلاح الزراعي , التأميمات، تعاظم دور الدولة.. وفي هذه المرحلة تضاءل دور الولاءات العشائرية والمذهبية والطائفية والعائلية، واتسعت دائرة الو لاءات الوطنية والقومية, مع رجحان كفة العقلانية، وتقلّص دائرة المحرمات.
بدأت المرحلة الرابعة المتميّزة بتراجع أفكار النهضة وانتعاش أفكار ما قبل النهضة وقِيَمِها المتمثلة بعودة الطائفية والعشائرية إلى سابق عهديهما , وخفوت وهج العقلانية , وتقلص دوائر أفكار السلفية النهضوية (الإسلامية) وعودة الفكر الغيبي والإيمان بالأساطير والخرافات.. وفي هذه المرحلة انتهى دور أوربا البورجوازية المناهضة للإقطاع والاستبداد، واختفى دور أوربا الاشتراكية المناهضة للاستثمار الرأسمالي والداعمة لحركات التحرر. وفي الوقت نفسه برزت الرأسمالية البربرية الأمريكية واجتاح طغيانها العالم بأسره. وهذا مما قوّى عدوانية الصهيونية في اعتداءاتها ليل نهار على شعبنا العربي… ومع فشل القوى القومية في تحرير فلسطين برزت على الساحة التيارات السلفية, وما يشابها في القول بالتحرير.
 اتصفت المرحلة الرابعة هذه (الربع الأخير من القرن العشرين) بالظواهر التالية: تراجع مؤسسات المجتمع المدني وتلاشي طبيعة الدولة الليبرالية.. صعود مؤسسات المجتمع الأهلي (العشائرية والطائفية , اللتين تقلص دورهما في منتصف القرن العشرين).. ازدياد شكيمة الدولة الأمنية وهيمنتها على المفاصل الأساسية من حركة المجتمع.
 ***
 في المراحل الأولى لصعود النهضة احتلت , ما يمكن أن نسميه (السلفية النهضوية) أو (السلفية التنويرية) مركزاً مرموقاً في مسار التطور العربي الصاعد. أما في زمن تراجع النهضة وضمورها في الربع الأخير من القرن العشرين , فظهرت سلفية كانت موجودة سابقاً ولكنّ آثارها كانت محدودة , احتلت الآن المفاصل الأساسية في المجتمعات العربية وغيرها من المجتمعات الإسلامية. ولم أجد تسمية موفّقة ودقيقة لهذه السلفية المزدهرة في عصر تراجع النهضة. ولهذا سأكتفي بتسميتها ب (السلفية في عصر التراجع النهضوي). والمقارنة , التي ستُعقد بين السلفيتين ستوضح الأمر.
 من صفات (السلفية النهضوية) الظواهر التالية: التسامح (في معظم الأحيان).. سعة الصدر.. الانفتاح على تيارات الحضارة العالمية.. احترام الرأي الآخر (نسبياً)، والدخول في حوار معه.. وتجلى ذلك في الحوار مع التيار الليبرالي العلماني في سجال فكري اختلفت درجة حرارته من فترة إلى أخرى. ونقدم هنا رأي الشيخ رشيد رضا في الدكتور شبلي شميل مترجم نظرية داروين وداعيتها. كتب رشيد في مجلته (المنار) سبتمبر ( أيلول) 1909: (… وأعرف من الأطباء وغيرهم من يقولون بمثل قول داروين , وهم مؤمنون إيماناً صحيحاً ومسلمون إسلاماً صادقاً…). وأضاف رشيد واصفا شبلي شميل بأنه (من أوسع العثمانيين علماً واختباراً, وأشدهم حرية واستقلالاً , وحرصاً على عمران البلاد , وارتقاء أهلها في العلوم والآداب).
 يعود أحد أسباب هذا التلاقح الحضاري الإنساني , إلى أن (السلفية النهضوية) قامت في ظروف داخلية (اجتماعية) تميّزت ببداية ظهور طبقة (أو فكر طبقة) بورجوازية منتجة , مرتبطة بأرضها ووطنها , وتستحوذ على تفكيرها هموم تجاوز التخلف واللحاق بركب الحضارة الغربية البورجوازية , والاستلهام من أفكار عصر النهضة الأوربية في مرحلة الرأسمالية المبكرة التقدمية قبل دخولها عصر الإمبريالية والاستبداد والطغيان.
 أما (السلفية في عصر التراجع النهضوي) فلها توجهات وآراء كثيرة مغايرة لسلفية النهضة. وهنا يمكن رصد الأمور التالية: تزامن صعود هذه البورجوازية مع صعود الفئات الطفيلية والبيروقراطية وغيرها من الشرائح غير المنتجة إلى قمة الهرم الاجتماعي العربي.. انهيار الاتحاد السوفيتي وانحسار شعبية الأفكار الاشتراكية. ظهور النظام الدولي الجديد وبروز العنجهية الاستعمارية الأمريكية.. اتساع الهوة الحض

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي